تقع قرية بلعين على مسافة 16
كيلو مترًا غرب مدينة رام الله، وكانت تتبع لقضاء الرملة قبل عام 1948
"عام النكبة"، وبعد ذلك أُلحقت بمحافظة رام الله والبيرة، وهي قرية حدودية
صغيرة، تبلغ مساحة أراضيها حوالي أربعة آلاف دونم، التهم جدار التوسع
العنصري -الذي يبلغ طوله في أراضي القرية كيلو مترين، وعرضه 50 مترًا-
ألفين وثلاثمئة دونم منها، وبلغ عدد سكانها عام 2006م "1700 نسمة
تقريبًا"، وهم موزَّعون على أربع عائلات هي: عائلة ياسين، وعائلة الخطيب،
وعائلة أبو رحمة، وعائلة برناط، والقرية تعتمد في حياتها على الفلاحة
والعمل.
ثلاث حارات صغيرة متلاصقة
وحتى
نهاية سنوات الخمسينات من القرن العشرين، كانت تتشكل القرية من ثلاث حارات
صغيرة متلاصقة، هي الحارة الشرقية والحارة الوسطى والحارة الغربية، ومن
بضعة منازل أخرى متناثرة على أطراف هذه الحارات من الغرب والشمال، ولا
يتجاوز عدد المنازل فيها أربعين منزلا، وكان يسكن القرية بضع أسر لاجئة،
ويتوسط ساحتها مسجد قديم، وغرفة كبيرة تسمى "المضافة"، تستخدم للسمر
واجتماع الرجال، ولاستضافة الذين يعبرون القرية ومعظمهم تجار مواشي وزيت
وزيتون أو باعة قماش وخردوات، أو مصلحي أحذية. واشتهرت بالزيتون والتين
والعنب، والصبار الذي كان الأكثر انتشارا في أطرافها ومحيطها، والذي
بالإضافة إلى ثماره اللذيذة فإنه يستخدم كسياج لحماية المزروعات.
أول مدرسة للذكور
وفي
العام الدراسي 1959 - 1960، افتتح في "المضافة" أول مدرسة للذكور، ضمت
أربع صفوف ابتدائية، وقبل ذلك كان الطلاب يدرسون في مدرسة كفر نعمة
المجاورة، وكان الأستاذ جليل الشرقاوي، وهو مسيحي من قرية عابود، أول مدرس
جرى تعيينه في القرية، لتدريس الصفوف الأربعة، وكان يقوم بدور المدير
والمدرس والآذن، وعندما سأله موجه التربية الدينية، عن كيف عالج موضوع
التربية الإسلامية، قال له بأنه قام بتدريس المادة بنفسه، لأن ذلك يعتبر
واجبا وطنيا، وبعد ذلك بعدة سنوات افتتحت في إحدى غرف بيت المختار، مدرسة
مشابهة للإناث، وكانت المعلمة الشركسية ناهدة هي أول مدرسة يجري تعيينها
في القرية، وسكنت في بيت المختار نفسه، بينما اتخذ المعلم من غرفة صغيرة
ملحقه بالمسجد مسكنا له، وكنت أنا أول خريج جامعي في القرية، فقد تخرجت من
جامعة بغداد عام 1972 بشهادة بكالوريوس في الرياضيات، أما اليوم فهناك
مدرسة ثانوية مختلطة، وهناك عشرات خريجي الجامعات والمعاهد من الذكور
والإناث.
طرق ترابية
وكان
للقرية طريق ترابي واحد باتجاه الغرب، ونظرا لصعوبته فإنه لم تسلكه سوى
سيارات الجيش ونادرا ما اجتازته سيارات مدنية، وكان الناس يتواصلون مع رام
الله، من خلال ركوب الباص من قرى كفر نعمة أو صفا. وفي صيف عام 1972،
تضافرت جهود أهالي القرية وشقوا طريقا ترابية جديدة، تربط القرية بقرية
كفر نعمة، بدعم من الاتحاد اللوثري الذي تكفل بإعطاء العمال طرودا غذائية
وطرود ألبسة بدل عملهم، وفي أوائل الثمانينات جرى تعبيد الطريقين.
أول شهداء القرية
وقدمت
بلعين أول شهداءها في الثورة الفلسطينية "عز الدين يوسف ياسين" الذي
استشهد وهو عائد للوطن، في دورية قتالية بعد أشهر من عدوان حزيران عام
1967، وفي نيسان عام 1974، هدمت قوات الاحتلال منازل بعض سكان القرية، كما
واعتقلت منهم وزجت بهم في سجونها.
ويقوم
على العمل في القرية مجموعة مؤسسات أبرزها المجلس القروي، ونادي الشباب،
واللجنة الشعبية، وعلى مستوى المنطقة فقد أصبحت معبرا لعدد كبير من القرى،
بفضل الشارعين اللذين جرى شقهما في بداية انتفاضة الأقصى، شمالا باتجاه
قرية خربثا بني حارث، وجنوبا باتجاه قرية صفا، وكان ذلك بمبادرة أهالي
القرية وبالتعاون مع القريتين المذكورتين، وبدعم وزارة الأشغال العامة
ووزارة الزراعة، والإغاثة الزراعية، بهدف الخروج من ضائقة الحواجز
العسكرية، التي أراد الاحتلال من خلالها معاقبة الناس، وهكذا فإن القرية
التي أطلق عليها في الماضي "العاصمة" من قبل سكان القرى المحيطة، استهتارا
بها نظرا لفقرها وانعزالها، أصبحت اليوم رمزا نضاليا مرموقا، وحلقة اتصال
بين القرى في محيطها.
تجربة رائدة
وقد
استطاعت بلعين بتجربتها الرائدة، أن تلفت انتباه المهتمين بالمقاومة
الجماهيرية والنضال السلمي، والباحثين والإعلاميين والرسميين، الذين
تقاطروا عليها متضامنين ودارسين، وبفضل تواصل نضالها وتميز تجربتها، فقد
اجتذبت الكثيرين من الأكاديميين ومحبي السلام، ورجال الدين المسيحيين
والإسلاميين والباحثين عن العدالة، وعقدت فيها مؤتمرات شعبية، وطنية
ودولية، كما عقد فيها اجتماع وزاري فلسطيني، وزارها ممثلون عن الأمين
العام للأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان والصليب الأحمر، وقناصل الدول
الأوروبية ونائبة القنصل الأمريكي، وبفضل انتصارها في مقاومة الجدار، فإن
بلعين تتألق اليوم باعتبارها رمزا وطنيا وعالميا، للنضال الجماهيري السلمي.
المقاومة حق مشروع
وبالحديث
عن قرية بلعين فإنها تذكِّرنا بالمقاومة السلمية؛ حيث يجدر التنويه في
البداية إلى أن المقاومة -بكافة أشكالها، ومن ضمنها المقاومة المسلَّحة-
هي حقٌّ مشروعٌ للشعوب، كفلته وأقرته القوانين والمواثيق الدولية والشرائع
المختلفة، كوسيلة لمقاومة المحتلين وتحقيق الاستقلال الوطني، وأن أيًّا من
هذه الأساليب لا يشكِّل بديلاً لغيره، ولا ينتقص من قيمته.
كما
يجدر التأكيد أن للشعب الفلسطيني تجربةً طويلةً في المقاومة الشعبية
السلمية، فمنذ الإضراب الذي عمَّ أرجاء فلسطين عام 1936 ضد الانتداب
البريطاني، والذي عُدَّ في حينه أطول إضراب في التاريخ والهبَّات
والمظاهرات في سنوات الاحتلال الصهيوني ما بعد عدوان حزيران (يونيو) عام
1967، ومرورًا بانتفاضة الشعب الكبرى ضد الاحتلال التي انطلقت عام 1987،
والتي تواصل فيها النضال لسبع سنوات، بالمظاهرات والإضرابات والعصيان
والقبضات والحجارة وبعض الرصاص، تلك التي ردَّ عليها الاحتلال بمواصلة
العدوان، وبالقمع والعقاب الجماعي، وبسياسة تكسير العظام الشهيرة، ثم
الهبات والمظاهرات المختلفة كهبة النفق عام 1998، وهبات التضامن مع الأسرى
وغيرها، وحتى الأشهر الأولى من انتفاضة الأقصى عام 2000 والتي رد عليها
الاحتلال بالرصاص والاغتيالات وهدم المنازل، ثم بتدمير البنية التحتية
للسلطة الفلسطينية، وبالاحتياجات وإعادة الاحتلال للمناطق التي تديرها
السلطة الفلسطينية، وبتقطيع أوصال الوطن بالحواجز العسكرية والعقاب
الجماعي والزج بعشرات الآلاف في المعتقلات، ثم ببناء الجدار.
جدار الفصل العنصري
ومع
البدء ببناء الجدار في النصف الثاني من عام 2002، والذي ووُجِه بهبَّات
شعبية، قادها نشِطون وطنيون محليون، في القرى والبلدات المتضررة من
الجدار، وسقط فيها شهداء وجرحى، فقد شكَّلت هذه أساسًا ورصيدًا، استندت
إليه التجارب اللاحقة، كما هو الحال في بلعين وعابود، وقرى الريف الغربي
في بيت لحم، وإن تجارب قرى بدرس وبيت لقيا في محافظة رام الله والبيرة،
وتجربة قرية بدو في محافظة القدس، وتجارب قرى مسحة والزاوية ودير بلوط
وغيرها في محافظات طولكرم وقلقيلية وسلفيت، وعنصري التضامن الدولي
والصهيوني؛ أعطت بعدًا إضافيًّا لأهمية العمل الشعبي، وأسهمت بشكل كبير في
إيصال قضية الجدار و"الاستيطان" إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، والتي
جاءت فتواها بتاريخ 9/7/2004، لتمثل انتصارًا قانونيًّا بالنسبة للشعب
الفلسطيني وقضيته.. تلك الفتوى التي طالبت بوقف بناء الجدار، وإزالة ما
بُنِيَ منه، وتعويض المزارعين الفلسطينيين عن الأضرار التي ألحقها بهم.
مقاومة سلمية
إن
المظاهرات والاحتجاجات المتواصلة التي يقوم بها الفلسطينيون ضد
"الاستيطان" والجدار والحواجز العسكرية والجرائم التي يرتكبها الاحتلال
يوميًّا؛ إنما تعبر عن رفضه للاحتلال من جهة، وعن الثقافة الزاخرة بالروح
السلمية التي يؤمن بها من جهة أخرى، والتي تعبر عن أصالة حالة التنوع
والتعايش القائمة على التعدد الديني، في بلاد الرسالات وأرض الأديان
والمقدسات، وهي تعد امتدادًا للمقاومة الشعبية الضاربة عميقًا في ثقافة
أهل هذه البلاد ووعيهم وحضارتهم، فلم يسجَّل في تاريخ الشعب الفلسطيني
قيامُ حرب أهلية على أسس طائفية أو عرقية أو دينية أو غيرها، أو أنه اعتدى
على غيره، ولكنه ظل باستمرار ضحيةً للعدوان وهدفًا للاحتلال الخارجي.
محرومون من ثمار الزيتون
مسيرات
أسبوعية ينظمها سكان القرية البواسل ضد سلطات الاحتلال وضد جدار الفصل
العنصري، لقد حال الجدار بين سكان القرية وثمار زيتونهم، ويعتبر
الفلسطينيون استمرار بناء الجدار هو شكلاً من أشكال العدوان الصهيوني
المستمر واليومي ضد الشعب الفلسطيني، فسلطات الاحتلال الصهيوني تطالب
بتنفيذ قرار الأمم المتحدة 1701 في لبنان، بينما تضرب عرض الحائط بكلِّ
القرارات الدولية، بما فيها قرار المحكمة الدولية في لاهاي بتفكيك جدار
الفصل العنصري.
قمع وتنكيل وصمود
وتواصل
سلطات الاحتلال استخدامها أساليب القمع الهمجية ضد المواطنين الفلسطينيين
من سكان القرية المذكورة، فتُلقي آلاف الطلقات النارية الحية، ومئات
القنابل المسيلة للدموع والمثيرة للأعصاب، والجدير ذكرُه أن ممارسات
الاحتلال من قمع ممنهج يُعدُّ سياسةً رسميةً تلقى الرعاية الكاملة من
قِبَل الحكومة الصهيونية؛ من أجل مصادرة أراضي المواطنين وضمنها للجدار
العنصري، في انتهاكٍ واضحٍ لكافة الأعراف والقوانين الدولية، بينما في
الجهة الأخرى فإن سكان القرية يُبدون صمودًا أسطوريًّا في وجه الغطرسة
والعربدة الصهيونية.. صمودًا ستكون نهايته الانتصار على إرادة الاحتلال،
فلا تضيع حقوق وراءها مطالب.